الأحد، 8 يونيو 2014

ما وراء الجسد

الفصل الأول





















كنت وحيدة..
 وحين يكون الإنسان وحيداً يمكن لأي شيء أن يحدث؛ لبؤة جريحة حبست في قفص موحش؛ لا غابات؛ ولا شمس. وحيدة كطفلة منسية بباب المدرسة والوقت ليل؛ كسيدة مسنة تقلّب على نار هامدة ساعاتها الأخيرة في ملجأ. كنت وحيدة دونك، وعلي أن أكمل حصتي المقررة من الحياة؛ لذلك كانت الوحدة شيئاً أتعود عليه؛ كبطانية خشنة باهتة الألوان.
 الوحدة يا يوسف كانت تأخذ أشكالاً قاسية؛ تأخذ شكلَ اغترابي في مدينتي، خطوط ظهرت في باطن يدي لم تكن من قبل؛ تأخذ شكل خثرات في فنجان قهوتي غيرت قصتي، فلماذا حدث كل ذلك ليلة أمس، وكأنك لم تعرف برحلتي الشاقة. كنت قد ارتميت بدير الوحدة كناسكة. قال أحدهم أنني أستغل أنوثتي الطاغية لإغواء أكبر عدد من القلوب؛ أجمعهم كمن يجمع قطعاً نادرة، ثم عادوا ليقولوا أنني معقدة، ثم قالوا راهبة نسبت نفسها للكنيسة،لم أكن يا يوسف سوى عاشقة، من رأسي حتى أخمص قدميّ، وحتى ما وراء الجسد، ما وراء القشرة الأرضية، ولم أكن أريد منك شيئاً ولا حتى قبلة. نمت أنا خفيفة بلا ذاكرة ولا بكاء، فلماذا حدث كل ذلك ليلة أمس؟
كم تمنيت ألاّ أستيقظ من هذا المنام، لكن كعسكري يؤدي واجبه في الساعات المقررة فتحت عينيَّ، جلست سلمى على طرف سريري ودسّت أقدامها الصغيرة الباردة داخل غطائي، فانتفضت كقطة بللها المطر، وجلست أنظر إليها بتعجب وهي تتحدث عن مكالمة عرفت منها أخبار صديقها الغادر. وعجبت كيف تحاول بالمهدئات؛ والحديث مع الغرباء والرياضة والتأمل؛ وبكل الطرق الممكنة أن تنسى، ثم تترصد أخبار حبيبها بهذا الإلحاح.
كان تركيزها في البحث عنه أشد من تأملها لنسيانه. عجبت لهذا الفصام في قلبها، وسرعان ما هدأت سلمى داخل فراشي الوثير الذي احتضن منامًا خرافياً، والذي تركته لصالحها، وتوجهت للمطبخ كمن يسير بالنوم، فأنا لا أصحو عادةً قبل أن أغسل وجهي بـ (فيروز)، وأرتشف أحلامي على مهل، ثم أعلن بداية النهار وأفتح النوافذ. أعتقد أنني لن أفتح النوافذ هذا اليوم كي لا يثير الغبارُ ملحَ سلمى الذي تنثره كل أربعاء ليطرد الطاقة السلبية.
-اليوم سوف نتدرب على التأمل العميق، سأغيب لساعتين وأعود.
 سألتها وأنا أناولها حفنة من الزعتر البري، ليعطر نكهة شاينا الصباحي
-هل هي مجدية التمارين يا سلمى، لازلت تلك المجنونة التي أعرفها، ولا أشعر بتغيرك؟
- دعيني أكشف لك عن واحد من أهم وأخطر أسرار علوم ما وراء الطبيعة
-اها
- إن تمارين التأمل سواء أكانت بالتركيز على نقطة واحدة أو بإيقاف الدماغ عن التفكير بشكل كامل، قادرة على تكبيل هذا الكائن الذي يسمى العقل وإبعاده عن خط سيره المعتاد.
-وكيف ذلك؟
وضعت كأس الشاي الملتهب جانباً، ونظرت إلي بتمعن
-حاولي أن تركزي قليلاً وتنظري إلى نفسك، بماذا تفكرين؟
نظرت إلى وجهي في مرآة مكسورة وضعناها عند نافذة المطبخ فكان غريباً علي، واحدة تشبهني، أكبر قليلاً، سمراء مبتسمة أصابتني بالإشفاق، رأيت يوسف يسيل من أعمق نقطة في وجهي، رأيته مقتولاً ودمعة حاضرة في مقلتي. مربك أن أفعل هذا اليوم تحديداً يا صديقتي، فوجهي خليط من الفرح الذي خلفته أحداث ليلة أمس، مع قليل من الدهشة الممزوجة بالوجع.
منذ سنوات لم أنظر في وجهي عميقاً، بعدك يا يوسف لم يتفرس في عينيَّ أحد، ربما نظروا إلى جسدي، إلى صدري أو انحناءات خاصرتي، إلى طلاء أظافري، ربما، أو إلى خصلات ملونة في شعري؛ أما عيناي فغابة أغمقّ لونها ولم يدخلها أحد. وجدت نفسي كما اعتدتها، وأشفقت لحالها. مع ذلك كل ما قلته كان لأحول الموضوع إلى مزحة:
-ليس لأستفز حاسة الفضول عندك لكن أفكر فقط بكأس الشاي هل أشربه بسكر أو لا ؟
-لا يا إيلين، فضولي حاسة مستقلة بذاتها وهي متحفزة طوال الوقت، ماذا يدور بذهنك من مشاعر؟ عليك أن تجيبي بصراحة!
-أفكر لماذا أردت الشاي قبل القهوة أشعر بالذنب، كأنني أخون جميلتي السمراء!
-ماذا أيضاً ؟
-ما فائدة هذه المحاولة، أعطيني المعلومة الصافية وحين أشعر أنني مهيأة سأقوم بذلك وحدي.
-كما تحبين ولكن تذكري أنك حين تفعلين ذلك، ستكتشفين أن سيل هذه الأفكار والمشاعر لا يتوقف أبداً، حتى في تلك اللحظات التي تتطلب منك التركيز الشديد في العمل، أو عندما تسوقين في شارع مزدحم، فإنك ستشردين بأفكار تتعلق بالمستقبل أو بالماضي، وتنسين نفسك لفترة. وبين لحظة وأخرى تحاولين العودة إلى وعيك الطبيعي بتصنّع الإصغاء، وأنت يا إيلين يحدث معك ذلك يومياً. التأمل يخرجك من زحمة أفكارك!
-حسناً، بصراحة كنت أفكر، ربما لو ركزت قليلاً سأجد تفسيراً لمنامي الغريب، دون أن أمزجه بمشاعري أو ذكرياتي أو أوهامي؛ سأجدُ تفسيراً محايداً.
-ماذا رأيتِ؟
-لا وقت لديكِ الآن!
-لا، لا عليك، ولا بأس إن تأخرتُ قليلاً
-أعدك أن أقولَ لك كل شيء
-ستنسين
-بعض الأشياء لا تنسى
- لكن عديني أن تجربي بنفسك ولو ليوم واحد، ستسرقين نفسك من الماضي دون أن تدري
- أنا تحديداً إنسانة منغمسة بالماضي ولا أرغب بالخروج من بئري يا صديقتي !
ضمتني سلمى وهي تفعل ذلك كثيراً؛ كتعبير عن الحب وقالت: -هالتك الأثيرية لا أفهمها !
-لا تقلقي يا سلمى سأكون بخير
- إذن، افعلي ذلك الآن، سأتركك مع ملاكك الحارس
وفجأة وجدتني وحدي بالمنزل، إنما تركت لي سلمى "خوليو إجلاسيس" يغني أغنية أعشقها:
 أنا بحاجة إليك
أعيش في الظلمة عندما أفتقد عينيك
في السكون عندما أفتقد ضحكاتك
مثل راهب حطموا هيكله
وخوليو محترفُ وحدةٍ، وحدته يا يوسف أخذت شكل جيتار، تعلم التحليق بالغناء حين فقد القدرة على الحركة؛ الوحدة جعلت خوليو يحلّق بصوت مجروح فيهمس في أذن وجعي. لطالما كانت الموسيقى صديقتي الأسرع حضوراً كلما حضر البكاء أو الأعياد أو الفرح، أستقبلها كالإنسان الأول ببديهية، آخذها حمولة كاملة من المباغتة والدهشة والذوبان.
مثل الإنسان الأول أنا بعدك يا يوسف، حين نزل إلى الأرض ولم يمتلك القدرة على إدراك ما يحيط به: الشمس؛ المطر؛ العتمة؛ والنور، تآمر الفصول على جلده، ثم أصبح مع كل ضربة ومفاجأة، قادراً بشكل أكبر على التقاط تغريد الطيور ونقرها في مخيلته؛ همسات الغابات وأنين الزوابع، وحفيف الأشجار وموسيقى المياه القادمة من الشلال، وتلاطم الأمواج؛ فصار يهتز طرباً  أحياناً، وخوفاً  أحياناً أخرى؛ بفعل هذه الأصوات الجبارة الآتية من عالم غامض، فصفق لها بيديه وحاكاها بجسده، وضرب الأرض بالأقدام ثم ابتدع حركات الأجسام التعبيرية والصياح والبكاء.
 أنا لم أرقص يوماً إلاّ على وقع الألم المبرح والعيون تنز دموعاً مالحة اختلطت بالكحل، والقلب طبلة، والدّفُّ أقدامي تضرب الأرض، غنى الإنسان الأول من شدة الفرح؛ من العشق؛ الجوع؛ في وقت الحرب؛ عند الدفن. وغنى خشية غول الطبيعة، ولطرد الأرواح الشريرة. وغنى لنزول الأمطار، وأنا أرقص أستسقي حضورك فقط، رقصت معك وبك ولك، وأنا رقصت لموتك ثم كتبت شعراً لم يلق بغيابك فمزقته وأكملت رقصتي، كنتَ أنت الناي ترسم بموسيقاك رقعة من الفرح الممزوج بالتجلي والشجن وفي هذه الرقعة، كنتُ راقصة إغريقية أرقص فيقطر مني الشعر والبكاء، أغني وحدي بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير، كنت آخر الليل أستلقي متعبة فتصير أنت العود كما عرفه البشر أول مرة من لحم ودم، أتدري أن العود الأول كان قد صنع من جسد ميت، كم مقنع للحزن أن يكون عوداً من لحم وعظم ودم، أن تنبعث الموسيقى من صمت الحياة، أن تبتدع الأفراح طريقتها العجيبة في الولادة.
من جسد ميت انبعث صوت العود لأول مرة، فقد كان لأحد القدماء من أوائل البشر يا يوسف ابن يحبه حباً شديداً، فمات فعلقه بشجره فتقطعت أوصاله، حتَّى بقي منه فخذه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشباً والصقه على الجسد الصامت بعد أن رققه، وجعل الأوتار كالعروق، ثمَّ ضرب به وناح عليه، فنطق العود يا يوسف، وها أنت تصير الليلة عوداً بشرياً وأنا ريشة تحاول العزف والترنم.
 غنى الناس لأوجاعهم كأن الغناء خمر سماوي، خمر يهطل وقت الحزن الشديد، وغنوا وهم يتشردون وتذكروا قراهم، وناحوا غناءً يحفظه أطفالهم دون أن يعرفوا شيئاً عن تفاصيل المكان إلاّ تميمة معلقة بصدر الجدة، وتطريزات واضحة على ثوبها ومفتاح كبير الرأس باهت اللون في صدر الجد، وأغنيات، أحبوا الوطن كما أحببنا الصلبان وأحببتم الكعبة، وكما نقبل كتبنا السماوية، شيء له علاقة بالإيمان في القلب قبل رؤيا العين، شيء من العشق، والغناء في حالة الهروب أغنية للحياة، أغنية تلمّح للرجوع وهي تعرف ما تقول، أغنية الشهداء قمح يفرش الأرض وماء يغسل الجبال وترنيمة تتخدر بها أوجاعنا، بكائي عليك كبكاء الحرائر على المفقودين،  أحياناً كنت أشعر أن الرقص بكاءٌ عليك يؤلمك، كأنه رقص على جثتك، مع ذلك بقيت أرقص، فأنا لا أتقن سوى البكاء رقصاً، ربما كانت هذه طريقتي الوحيدة في عتابك.
أما الأغاني فكانت تذكرني بوحدتي لكن بشكل رقيق، تربت على روحي، وكنت بحاجة لتربيتها. كان الغناء نديمي الوحيد في غيابك، كنت كل ليلة أعدّ مجالس الغناء لك؛ فأعتق الخمر، وأنشر الأزهار والشموع والورود وأتخيل تغريد القيان، فعلت ذلك زمناً طويلاً إلى أن صرت مخمورة بلا أغانٍ ولا رقصات مثيرة ولا نديم ولا خمر، صرت أنام متخذة شكل الفرشة، أحاكيها بمهارة، أقول لوسادتي: كوني بخير، وأنام دون ألم أو حزن أو فرح، أتخيل عيني أمي ترمقني إمعانا باللوم والإشفاق، تغطيني فأزيد غوصاً في انكماشي وهي تطفئ النور وتمضي، لطالما كانت أمي مقتنعة أن الوحدة تأتي عقاباً على مغامرات غير محسوبة النتائج.
 حين علمت أمي بشان علاقتي بك يا يوسف أصابها الجنون، راحت تصرخ وتولول وتهدد بقطع علاقتها بي في كل المحافل، ولم ألمها؛ كوني أعرف كم هي امرأة متشددة؛ فهي المتدينة جداً والمتحفظة التي تفكر جيداً قبل أن تزل قدمها على الأرض، المرأة الحذرة في تصرفاتها حتى وهي وحدها، كيف لها أن تتخيل أن ابنتها قد تحب رجلاً من ديانة أخرى! أعتقد أن فكرة الحب وحدها عند أمي مرفوضة، وأنني ورثت جنوني من أبي، وبرحيل أبي أكسبتها رملتها شكلاً حاداً أكثر، وصدمة ملازمة على ملامحها، وصمتاً عميقاً وتديناً أكبر.
حينما انزاحت غيمة الجنون إثر معرفتها بأمرك، لم تسكت على حالي، ظلت تحاول بكل طرق الدهاء التي جبلت عليها النساء أن تبحث لي عن شريك ملائم، ولما يئست مني قالت بصوت جاف:
-الحب المستحيل كالفطر السام يا إيلين، ربما يعجبك نضوجه ويبدو طبيعياً وشهياً، وما إن يتناوله الشخص حتى يبدأ سمّه يسري في العروق، إيلين لديك حياة واحدة لا تبعثريها في محاولات فاشلة منذ البداية
-أمي ماذا تعشيت أمس؟
صمتت وكأنها غير متأكدة إن كانت قد تعشت أساساً
-ماذا لبست، أين ذهبت، ماذا فعلت من جديد؟ على من تعرفت يا أمي وأنت عند طبيب الأسنان؟ أي حوار فتحت مع بائع البهارات غير حوار الأسعار وجودة القهوة؟ هل تعرفين إنه بشر مثلنا ولديه شيء من النكهات يضيفه على يومك غير حب الهال؟
صمتت، فنمط الأسئلة المتتالية المباشرة جديد عليها
-الحياة إن أخذناها كمسلّمات، لم نتذوق فطرها الذي اشتهيناه يا أمي، إن لم نغرس أقدامنا في وحلها ونستكشف مخابئ هذا الفطر، ونلطخ أيدينا سعيدين ونحن نجتثه من تربته لزجاً ونضراً، ستكون حياتنا رتيبة، لم نعرف أجملها !
-حتى وإن كان ساماً؟
- أمي، لن أعرف أنه سام إلاّ إن أرداني السم، إلى الآن لم أعرف مع يوسف إلاّ حب الحياة، ألوان جديدة لم تكن في لوحتي ظهرت فجأة، أن تطلبي مني ذلك يعني أن تقطعي عن قلبي الأوكسجين؛ أن أدفن حية ..!
سكتت خائفة بشكل غريزي؛ خشية أن تقتلني بتفريقنا، لكنها قالت جملتها الأكثر عمقاً في نفسي:
-ستعيشين وحيدة
وكانت محقة، وحدة كثيفة، شبكة من الوحدة تعانقت خيوطها على جسدي، وحدة قوية الحضور زاد من استعارها سفر متكرر طويل لأمي بحكم عملها، كانت الوحدة كالعادة تتربص بي فتمسكني بسهولة كغزال وقع في فك نمر جائع، وحدي كنت في صحراء الحياة دونك؛ كهاجر حين تركها النبي إبراهيم وصارت تلاحق السراب بين الصفا والمروة، كحوّاء حين نزلت على الجهة المقابلة من هذه الأرض محاطة بالوحوش، وبدأت تقطع البحار والوديان والمحيطات بحثاً عن آدم باكية؛ فأرضعت الأنهار والينابيع، شريدة تلقت قسوة الطبيعة بأعاصيرها وزلازلها وبراكينها وضباعها وموتها.
بقيت سنوات أقبع مرتجفة في قلب خيمة الوحدة العاصفة، حتى صرت أعيش حياتي بلا متعة، تزوجت شعوري بالوحدة زواجاً لا فكاك منه، صار يوقظني ليلاً، يمارس بسادية كل جنونه، وحين يطرحني أرضاً و يتأكد أنني غير قادرة على الحراك قربه يدير ظهره ويختفي، استعداداً لجولة أشد شراسةً.
 مع ذلك فإن أمي قد عاشت حياة منظمة، وتزوجت بشكل طبيعي، ولم تغامر يوماً ومع ذلك فقدت أبي، إنه قدر أحياناً وعلينا ألاّ نربط أقدامنا بأيدينا ثم نقول لا نستطيع الحراك، فقلت أعيش اللحظة وإن حان دور القدر ليحكم بيننا سأتعايش معه، إلى أن قتلت؛ موتك جاء مدوياً، سقطت أرضاً، وركضت أمي بي إلى أبينا ليدهن جسدي المرتجف بزيت أمنا العذراء، تحدث إلي طويلاً بصوت خفيض رتيب، ثم نصحني أن أرتمي طويلاً بحضن الكنيسة، لكني ارتميتُ بحضن الفراغ، وكان ملاذاً بعيداً منفياً لا يستدل عليه أحد.
وعادت أمي وافتعلت الكثير من المصادفات التي يطل بها علينا عريس الغفلة بكامل أناقته، ويطرق جرس قلبي فتصعقه كهرباء الأسلاك المقطوعة، فيهرب، أما الوحدة فصارت حليفتي وظلي الذي يظل يعتذر باسمي عن تلبية دعوات الحياة، لم أندم يوما يا يوسف لا زلت مصرة على أن الحياة لا يجب أن تؤخذ على أنها مسلّمات في صندوق، عليه اسمك، واسمي واسم كل واحد فينا، هي ليست قرعة، ما كان يمكن ألاّ يكون اسمك في قرعة العائدين، وما كان يمكن أن يخطئ مسؤول الولادات ويسجلني لأم مسلمة، ومحال ألاّ تموت ذلك اليوم، اخترت نفس الجامعة وكان أمامي خيارات كثيرة، لكن لا يا يوسف لا شيء في الحياة يحدث صدفة هي خطة، أردتك قبل أن تراك عيوني، فصّلت أحلامي بصبر صانعة الفخّار، كتبت لنا قصة كنت بطلها الذي سيظهر في الفصل الأخير، كان الدور بمقاسك تماماً ، ورسمت على أوراقي وجهاً عبأته تفاصيلك حين حضرت، إنما كنت أجهل النهاية إلى أن تم إخراج المشهد، ولم يكن بيدي حيلة، أصبحت متفرجة لا أكثر، خلق الله الحياة محجوبة المستقبل لنتخيل؛ نفكر؛ نتأمل؛ نتفاجأ؛ نندهش؛ ونكتشف اكتشافاتنا العظيمة، لكنها مقررة لنا منذ البداية، إنما المتعة في البحث عنها وملاقاتها واصطيادها من قلب الغامض، أعظم اكتشافاتنا خلقتها التجربة، لسنا ملائكة تؤدي دوراً محدداً نبيلاً ورتيباً وتختفي، نحن نجرب فنخطئ ونضل ونعود بالليل نتلمس طرق العودة. لم أندم أنا فقط أشعر بالوحدة، لكن كل ذلك تغير ليلة أمس، قبل ذلك كنت أشعر بالوحدة كلاجئةٍ سرقوا موطنها ووضعوها في الفراغ الممتد كصحراء، فلماذا حدث ذلك ليلاً لست أدري .
****************
الآن، فجأة، حين صمت خوليو أحسست أنه يعرّيني في حضرة الصمت، صمت خوليو هو الذي خلق المشكلة، فالمشكلة ليست في عدم وجود الأشياء، بل صمتها بعد حياتها هو المؤلم، أن تتوقف المتعة فجأة، تماماً مثل الأفعوانية في مدينة الملاهي لو تتعطل قبل القمة بشهقة، أو كطفل حمله أبوه يلاعبه فألقاه في السماء وفشل في تلقّفه، والطفل عادة يثق بالفرح ويسلّم نفسه بشكل كلّي له، أبي تحديداً طيّرني في السماء ولم يتلقفني، تلقفه الغياب، وبقيت مذعورة بعده سنوات طويلة من حياتي، وأنت جئت بعد ذلك بسنوات تطلب مني في رحلة ذهبناها معاً إلى الجبل، أن أسلّم نفسي لجنون الأرجوحة، لم أستطع حينها أن أبوح لك، أنني منذ زمن طويل تدربت على ألاّ أفرح بطفولة مفرطة، علي أن أفرح نصف فرح، ولكن سأهمس لك أن رحلتنا تلك جعلتني أعود للمنزل بنصف عقل وبدون قلبي، كان مخطوفاً كله، تلك الليلة نمت بعمق وسلّمت نفسي بشكل كامل للحلم، سمحت لنفسي أن تزف إليك، لم أنتبه إن كان ذلك تم في كنيستي أو بعرس إسلامي أو حتى في مغارة منسية لا يهم، لبست ثوباً أبيضَ استعرته من خزانة مهملة داخل روحي خبأت فيها أثواب طفولتي وثوب عرسي، ولم أرتدِ يا يوسف هذا الثوب مرة أخرى، كنت بعد ذلك إشبينة الكثيرات، أحمل خواتمهن، أمسك بأطراف الثوب الأبيض، كنت أسمع خفقات قلوبهن، كنت أرى البريق يا يوسف وشهدت الفرحة الكاملة والتي كانت تتوج بقبلة طويلة علنية، كنت أتلذذ برؤيتها تتلألأ في عيون العرائس، كنت قريبة جداً من الفرحة، إلاّ أنني لم التقطها مثلهن، فحبك سريّ ومستحيل، يستعصي على البوح لكنه يشع في العيون، كم كنت وحدي يا يوسف، وكم استحضرتني في الأعراس أشعار درويش المحببة لقلبك، كنت تهمس لي حين تتماوج في عيوني الفرحة بالبكاء:
تكونين حريتي بعد موت جديد
أحبّ
أجدِّد موتي
أودِّع هذا الزمان و أصعد
عيناك نافذتان على حلم لا يجيء
_لماذا أحبكَ؟
من أجل طفل يؤجل هجرتنا يا مريّا
_سأهديكَ خاتم عرسي
سأهديكِ قيدي و أمسي

أشعر باللهفة وأنا أمارس هوايتي المفضلة، صنع فنجان رائع من القهوة يليق بهذا النهار، الذي سينقلني إلى مجرة أخرى خارج قوقعتي، سعادة غامضة، عصية على التفسير كهذه القهوة حين تجوب في أوردتي وتفتح الطرقات المغلقة. اليوم مساءً سأتحرك خطوة واحدة خارج دوامة الوحدة، سأزيح عن نفسي هذه البطانية الخشنة وأتعرض للقشعريرة، وأدع الهواء يتخلل خصلات شعري، وسأترجم هذا الهاتف السماوي الذي تلقيته ليلاً. أنا لأول مرة منذ سنوات على موعد مع شيء..!



رخصة المشاع الابداعي
رواية بواسطة أدب مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0 دولي.
مبني على العمل التالي http://qam7.blogspot.com/.
الصلاحيات الخارجة عن نطاق هذا الترخيص قد تكون متاحة في meervatmousleh@yahoo.com.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق